بدأت معالم تأثر الصناعة السورية بانفتاح السوق على المنتجات المستوردة - وتحديدا الصينية- تظهر تباعاً مع إغلاق العديد من المنشآت والمؤسسات الخاسرة في القطاعين العام والخاص، وتسريح عشرات العمال.
لكن ومع استعار المنافسة في وجه الصناعة السورية، يبدو أن قطاع صناعة الدراما الأكثر استقراراً، رغم تراجع إنتاج الدراما السورية للعام الجاري إلى 23 عملاً مقارنة مع 47 العام الماضي، وغالبا لأسباب خارجية تتعلق بتداعيات الأزمة المالية العالمية على الشركات العربية المستثمرة في الإنتاج الدرامي السوري، إلا أن هذا الإنتاج قطع شوطاً كبيراً في مضمار المنافسة، واستطاع أن يحقق حضوراً قوياً، ليس في الداخل فقط، بل في الأسواق العربية أيضاً، مع العلم بأن إمكانية الوصول بالإنتاج الدرامي السوري إلى 60 مسلسلاً في العام الواحد أصبح أمراً متاحاً بالنظر إلى إمكانات وكوادر وطواقم هذا القطاع وبالتوازي مع فتح صفحة المعوقات والمشكلات، حيث عقد مؤخراًً ملتقى الدراما السورية الأول الذي يناقش متطلبات صناعة درامية سورية متطورة والبحث في معوقات عملها مثل التوزيع والتسويق.. إذاً أين وصلت صناعة الدراما السورية؟ وكيف يقيّم أصحاب الشأن واقع هذه الصناعة، وكيف يقرأون مقومات نجاحها ومعوقات استمرارها؟
الدراما السورية: مشروع صناعة متكاملة .. داؤها الارتجال!!
واقع الدراما السورية اليوم من وجهة نظر المخرج هيثم حقي أفضل مما كان مأمولاً عند بدء العمل في ثمانينات القرن الماضي، فيقول حقي: الواقع أفضل مما كنا نتصور عندما بدأنا العمل على تأسيس هذه الصناعة في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي وسط تشكيك المشككين، لكن طموحنا لايزال أكبر في رفع سقف الإمكانات الإنتاجية وإلغاء الرقابة على العمل الفني، وأخيراً قيام صناعة سينمائية في سورية.
لكن المؤشرات الراهنة تدل من وجهة نظر الفنان بسام كوسا على أنه، إذا أخذت هذه المهنة في عين الاعتبار من قبل المؤسسات العامة والخاصة وخُطّط لها بشكل استراتيحي يمكن أن تتحول إلى صناعة جيدة. أما الآن، فهي مشروع صناعة درامية أي لم تكتمل بعد بوجود العديد من النواقص والأمر مرتبط بعقلية التصنيع وآلية التفكير بينما أهم مشكلة – والكلام لـ(كوسا) - هي غياب التخطيط الاستراتيجي، أي ماذا سنقدم خلال خمس سنوات أو سنتين على الأقل. فالأعمال تأتي عبر العدوى أوالتقليد أوالمصادفة وتصنع بشكل قدري..!
أما المخرج باسل الخطيب، فيرى أن كل ما أُنتج لا يزال ضمن إطار تجارب فردية لمخرجين أو كتاب أو فنانين لديهم مشروع محدد، ويضيف « لا نستطيع أن نتحدث عن صناعة فنية تلفزيونية متكاملة، لأنها تحتاج إلى أطر وضوابط نحن نفتقدها؛ ذلك أن العمل لا يزال ضمن نمط الهواة..» إلا أن حقي لا يتفق مع القائلين بغياب مفهوم الصناعة كتقليد وأسلوب عمل في الدراما، إذ يعتبرها من أهم الصناعات السورية تدر دخلاً وتوظف أشخاصاً، وهناك آلاف الأشخاص الذين يعيشون وبمستوى عال من دخل هذه الصناعة القائمة بحد ذاتها.
من جهته، يرى الفنان عباس النوري أن الدراما السورية تظهر مستقرة، لكنها حتى الآن تشكل حالة من الارتجال تظهر بصورة جميلة، لذلك كفانا أشعاراً وشعارات – والكلام للنوري- نحتاج إلى واقعية وجرأة في التفكير، لأن المسألة لها بعد وطني مسؤول. ففي القطاع العام هناك دائما تكاليف إضافية وغير منظورة و»الشعر لا يقود الاقتصاد» بينما القطاع الخاص يدرس تماماً إمكانات نجاحه وكيفية صرف نفقاته وهو قادر على إضافة تقليد لهذة المهنة.
شركات وهمية:
تكاثرت في الفترة الأخير شركات الإنتاج والتوزيع الفني حتى وصلت إلى حدود 200 شركة بعضها يعمل برأسمال محلي وقسم آخر شركات منفذة برأس مال عربي خارجي، فما دورها في دعم صناعة الدراما في سورية وهي متهمة بالتضارب في ما بينها وغياب التنسيق الجماعي الكفيل بتنظيم عملية التسويق والترويج.؟ يقول أديب خير مدير شركة «سامه للانتاج الفني»:إن زيادة عدد الشركات هو أمر صحي في أي صناعة لأنه يزيد التنافس وبالتالي يرفع الجودة التي يقدمها كل منا لنكون المنتج الأول والأفضل في السوق. مع العلم أن الجودة تتماشى دوماً مع السعر، إلا أن شروط تأسيس الشركات، يجب أن تكون مدروسة بدقة لكي لا نساعد في قيام شركات تقدم أعمالاً سيئة قد تؤدي الى خسارة رأس المال، وهذا ما نخشاه.
أما هيثم حقي، فيعتبر أغلب هذه الشركات وهمية ويضيف: لو ذهبت إلى لجنة صناعة السينما لوجدت نحو 200 شركة مسجلة، وبالطبع لا ينتج فعلياً إلا عشر هذا العدد فقط. إلا أن رئيس لجنة صناعة السينما في غرفة صناعة دمشق عماد الرفاعي يعتبر أن ذلك مرتبط بطبيعة العمل واختلاف توجهات الشركات وأهدافها، مثل التوزيع والتسويق والإنتاج والدوبلاج ويقدم الرفاعي صورة مشرقة لواقع الدراما السورية، بل يضعها في مرتبة أعلى من صناعة الدراما المصرية، لاسيما مع تطور الشركات السورية وامتلاكها الخبرات والكفاءات، لكن ذلك لا يمنع الرفاعي من طلب دعم أكبر من مؤسسات الدولة ومنح تسهيلات بالنسبة لأذونات ورسوم التصوير التي ازدادت مؤخرًا.
إلا أن نقيب الفنانين أسعد عيد، يؤكد أن النقابة تتساهل كثيراً لمساعدة الإنتاج، ويضيف: لو طبقنا القوانين بحذافيرها لأخذنا ضرائب عالية، حيث تشكل الضرائب 5 % من قيمة العمل، لكننا نأخذ ضريبة قليلة لا تعادل أجر نجم أو نجمين وذلك تسهيلاً لحركة الدراما السورية.
صناعة نجم:
على الرغم من البعد العربي للدراما السورية، ونجاحها في الوصول إلى مختلف المجتمعات والشرائح، يتّهمها البعض بافتقاد أسس صناعة النجم، أسوة بالدراما المصرية، إلا أنّ هيثم حقي يخالف هذا الاعتقاد، ويعتبر أنّ صناعة النجم موجود في الدراما السورية، ولكن ليس بالمفهوم المصري أو الهوليوودي، وهذا من حسن حظّ الدراما السورية، ويضيف: لا يزال في إمكانك جمع عشرة نجوم في مسلسلٍ واحد، لأنّ نجومنا، رغم شهرتهم، ما زالوا يؤمنون بتكامل عناصر العمل الفني، من نصٍّ، وإخراج، وجهة إنتاج، وبقية المهن الفنية، وأعتقد أنّ هذا نجّانا من الداء القاتل المصابة به الدراما التلفزيونية المصرية، التي تقوم على المسلسل الذي يركّب على مقاس النجم..
من جهته يرى أديب خير أنّ الفرق بين ما يوجد هنا وما يوجد في مصر؛ هو ما يجعل العمل الدرامي السوري مميّزاً، ويضيف: نحن نسعى دوماً إلى الابتعاد عن النجم الأوحد في العمل، لأنّ هذا الأمر سيجعل الدراما التلفزيونية تتراجع وتنحسر لتصبح مشاريع شخصية.
مؤسسة ذات طابع اقتصادي:
من أجل حماية الدراما السورية واحتضانها يطالب الفنان بسام كوسا بإشراف حقيقي من قبل مؤسسات الدولة على شركات الإنتاج، ويضيف: هذه المهنة لها علاقة بذاكرة الأمة وروحها، ولا يجب أن تمنح لتاجر خردة أو لشخص لديه أهواء ورغبات بعيده عن البعد الإنساني والوطني والجمالي للمهنة. وفي نفس الوقت يحذر -الحائز على جائزة أدونيا لأفضل ممثل- من تحول القائمين على المؤسسات العامة إلى أوصياء على هذا الإنتاج، حيث سيدخلون في دائرة البيروقراطية والتي أدت إلى إنتاجات سيئة في القطاع العام وبالتالي الوضع يدعو إلى الاضطراب فهناك تخوف من آلية تفكير القطاع الخاص وعدم ثقة من آلية تفكير القطاع العام وبالتالي الأمور متروكة على هواها.
ويوافق نقيب الفنانين أسعد عيد على ضرورة وجود مؤسسة ذات طابع اقتصادي تضم القطاع العام والخاص وتصبح ذات طابع وطني ويضيف: تقوم وزارة الإعلام منذ شهرين باجتماعات وشُكلت لجنة على مستوى عال لدراسة وضع القوانين والأنظمة التي تؤطر هذه المؤسسة وخلال فترة بسيطة ستظهر مؤسسة ذات طابع اقتصادي إنتاجي نوعي ويؤكد عيد ضرورة إيجاد دائرة لتوزيع الأعمال الدرامية وبالتالي المضي في تحويل الفن إلى دخل قومي؛ فالصناعة موجودة حسب عيد، لكن حتى تتحرر من رأس المال الوافد وتصبح ذات طابع وطني يجب حضور هذه المؤسسة الاقتصادية.
مقومات صناعة الدراما: التخطيط غائب.. التسويق متضارب ..والتوزيع على حساب المنتج !!
لا شك في أن لكل قطاع صناعي بنىً وأسساً يقوم عليها، فما بالك إذا اجتمع الاقتصاد مع الفن يسبقهما التخطيط والتنظيم لتكوين هذا القطاع، في الواقع تظهر التجارب في كل دول العالم (ومنها سورية) أن الصناعة الناجحة يسبقها التخطيط السليم من هنا يتساءل حقي: هل هناك أي تنظيم أو تخطيط لأي صناعة في سورية ؟ ومع ذلك، يضيف مخرج «هجرة القلوب إلى القلوب»، أعتقد أن القوانين الناظمة لهذه الصناعة جيدة، وطموحنا هو بقيام اتحاد للمنتجين السوريين وهو مشروع قدمته لجنة صناعة السينما منذ سنوات .
من جهته، يرى المخرج علاء الدين كوكش أن مقومات الصناعة الدرامية ومستلزماتها الأولية هي مسؤولية الجهات الرسمية، ولايمكن أن يقوم بها القطاع الخاص وحده لأن الأخير يؤسس شركات لتحصيل موارد آنية. أما الصناعة فتحتاج إلى أبنية ومعدات ومدن إنتاج إعلامية، وعلى الاجهزة الفنية التابعة للدولة إنشاء تلك البنى ثم يمكنها تأجيرها للقطاع الخاص.
أما الوجه الآخر من مقومات بناء الصناعة في رأي المنتج أديب خير، فهي الخبرة واليد العاملة المؤهلة، ويقول: إن ما يسمى طفرة الدراما السورية فتح الباب لأنصاف الخبرات للتقدم أماماً وأخذ مواقع أكبر من قدراتهم.
فكم من مخرج ومدير تصوير وإضاءة غير مؤهل لم تكتمل تجربته كمساعد أو حتى كصبي إنتاج، قد أصبحوا اليوم جالسين في كراسي فضفاضة لدرجة يمكن أن يغوصوا ويغرق معهم المنتج الطموح. ويؤكد خير أن المطلوب هو التأهيل ثم التأهيل...وهنا يكمن الدور الحقيقي للدولة في هذا المجال. عوضاً عن تخصيص ميزانية سنوية للإنتاج التلفزيوني من خلال القطاع العام وبالأخص التلفزيون العربي السوري يمكن الاستفادة من هذه المبالغ لتأسيس معهد واستقدام خبرات قادرة على تدريب من يرغب ولديه الموهبة.
أما الفنان عباس النوري، فيرى المشكلة من زاوية أخرى ذلك أن الصناعة الدرامية تخضع إلى معادلة مغلوطة والمشكلة الأساس في رأيه هي في فهم إدارة الاقتصاد وهي مسألة متخصصة لا تدخل في إطار الشعر والشعارات ويضيف النوري: صحيح أننا نتحدث عن منتج ثقافي غايته التغير الاجتماعي ورفع مستوى الوعي، لكن الإنتاج يحتاج إلى تأميم مدروس والحكومة نفذت مفاهيم خاطئة للإنتاج، ما أدى إلى إضافة عقلية تقدم فشلها بشكل براق وهذا يحصل في السينما والتلفزيون على حد سواء ..أما الشكل البراق، فلا يخفي الجوانب السلبية أبداً.
ويعتبر النوري أن هذه العقلية تدافع عن التفاصيل السلبية التي لا تصل بإبداعها إلى العالم ويطالب بإعادة النظر في التفاصيل ومنها إعادة النظر في الإنتاج.
تعديل القوانين:
بينما يلوم عباس النوري مفاهيم الإنتاج الخاطئة للدراما في مؤسسات الدولة، يعبر بسام كوسا عن عدم ثقته إطلاقا بطريقة تفكير التلفزيون العربي السوري وادارته للإنتاج مضيفاً: لأنه أكبر منتج وأقوى شركة إنتاج، لكن لا يستطيع أن ينتج عملاً تلفزيونياً جيداً؛ فلا تسويق ولا نوعية ولا آلية، وكل العاملين هربوا إلى القطاع الخاص ويكلف العمل المنتج في التلفزيون أحيانا أكثر من العمل الذي ينتج في القطاع الخاص، ورغم ذلك تخرج أعمال غير جديرة بالمشاهدة، ولا تعبر عن الدراما السورية وما يدفعنا إلى الحديث بهذه القسوة هو أننا أبناء التلفزيون السوري الذي له الفضل في تقديم عدد هائل من الفنانين والمخرجين والمصورين والفنيين ونقرأ اليوم عن طريقة تفكير جديدة وعقلية جديدة في دائرة الإنتاج في التلفزيون السوري نتمنى لها النجاح.
ويؤكد نقيب الفنانين السوريين من جهته على ضرورة إيجاد قانون ونظم إدارية وتعديل القوانين التي كانت موجودة مثل القانون الذي لا يسمح للتلفزيون السوري بالإنتاج المشترك مع شركة خاصة، وهذا القانون يؤطر المهنة وعندما يوجد هذا التعديل يكون للمصلحة العامة في رأي عيد الذي يبين أن تحويل الإنتاج إلى دخل قومي يكون بتحويل مديرية الإنتاج في التلفزيون إلى مؤسسة ذات طابع اقتصادي إنتاجي.
تحت رحمة الموزّع:
لا تقتصر معوّقات تطوّر صناعة الدراما السورية على النقاط التي ذُكرت آنفاً، من غياب الأسس والرؤى التخطيطية، ومقوّمات الصناعة الحقيقية، بل تتجاوز ذلك إلى المشكلة الأبرز للمنتج الدرامي، وهي التي تتعلق بدور الوسيط الموزّع، وهذا الدور ـ بحسب هيثم حقي ـ يخلق مهنةً تعيش على حساب المنتِج، ويضيف: يدّعي ممارسو التوزيع أنّهم يضطرون إلى دفع الأموال في المحطات، بسبب الفساد، لتمرير الأعمال، وبالتالي وصلت حصّة الموزع إلى ثلاثين في المئة وأكثر من كامل المبلغ الذي تدفعه المحطة، فالموزع لا يغامر، ولا ينتج، ولا يضع قرشاً واحداً، ويحصل على ثلث دخل العمل التلفزيوني.
ويرى الفنان عبد الحكيم قطيفان أنّ مشكلة التسويق في الدراما على الصعيد الخارجي والعمل المؤسساتي مرتبطة بالحساسيات السياسية أو الغيرة الدرامية، وفي النهاية يكون المنتَج غير المحمي هو الضحية، ويضيف قطيفان:
هناك شقّ له علاقة بالرأسمال المموِّل، أو المحطات الكبيرة التي تغطي التكاليف وشراء الأعمال، فنحن على المستوى الحكومي غير مقتنعين بعد بأهميّة الإنتاج، فالأعمال التي ينتجها التلفزيون السوري ليس لها توزيع أوتسويق قويّ، بينما الرأسمال الخاص بادر إلى الإنتاج، بالتوازي مع التوسّع الفضائي، وأنتج أعمالاً مهمّة، والموضوع يحتاج إلى نظرة أعمق من ذلك، لأنّ له ضوابط ومؤسسات وثقلاً، ولدينا أكثر من محطة فضائية، وعلى وزارة الإعلام، ووزارة الثقافة، الانتباه إلى هذه النقطة، والإحاطة بها.
رأس المال الخليجي:
أثمر ضخّ رأس المال الخليجي في الدراما السورية، منذ منتصف التسعينات وحتى الآن، العديد من الأعمال المشتركة، التي اتّسمت بضخامة التكاليف والأجور، ويرى البعض أنّ دخول الأموال الخليجية أمرٌ طبيعي وإيجابي في أثره، بينما اعتقد آخرون أنّ هذه الأموال جاءت لتتحكّم في نوعية الدراما، وطبيعة وشكل الأعمال المنتجة على أساس أنّ رأس المال كان يفرض نوعيات الأعمال، التي تلقى رواجاً في السوق الخليجية، وبين هذا وذاك يرى حقي أنّ النظرة من هذه الزاوية مضحكة، «فمنذ البداية كان سوقنا الرئيس هو الخليج، وقد كنّا نراعي أكثر الرقابات تشدّداً، خوفاً من منع العمل أو قصقصته..
ومع تزايد عدد الفضائيات صرنا أكثر حرية، وتجاوزنا الكثير من الخطوط الحمراء.. والحقيقة أنّنا نحن الذين قدّمنا اقتراحات بنوعيّة الأعمال، مثلاً، الحكاية، التي أطلق عليها خطأً «الفانتازيا التاريخية»، وكنت قد أخرجت أوّل أعمالها «غضب الصحراء»، فنجح العمل، وتلاه «البركان» و»الجوارح»، للكاتب نفسه (هاني السعدي)، ثمّ كرّت مسبحة الأعمال، بسبب نجاح هذه الأعمال جماهيرياً، وقد حصل الشيء نفسه مع الأعمال الحلبية في فترة ما، ثمّ الآن يتكرّر المشهد نفسه مع العمل الشامي، وستخرج موضة أخرى بعد ذلك؛ أي أنّنا نحن الذين نقترح النوع، وعند نجاحه تطلب المحطات أعمالاً على شاكلته».
بينما يؤكد باسل الخطيب، من خلال تجاربه العديدة مع رأس المال الخليجي، أنّه لم يكن هناك أيّ تدخل في العمل، ويعتبر الخطيب أنّ دخول رأس المال الخليجي طبيعي وإيجابي.. من جهته يبيّن حقي أنّه منذ 22 عاماً إلى الآن لم يتدخل أيّ شخص في عمله كمنتج، ويضيف: أنا الآن أنتج لمصلحة شبكة
(أوربت) منذ أكثر من 13 عاماً، وأدير منذ ثلاث سنوات شركة تابعة لها، وإذا استعرضت كلّ الأعمال من «خان الحرير» إلى «سيرة آل الجلالي» إلى «الأيام المتمردة»، وأعمال السنوات الثلاث الأخيرة، كـ»الحصرم الشامي»، و»أولاد القيمرية»، و»زمن الخوف»، و»أناشيد المطر»، و»فجر آخر»، و»على قيد الحياة»، و»أصوات خافتة»، والأفلام السينمائية التي أنتجناها في سورية ومصر، ستجد أنّها كلها تنتمي إلى النوعية نفسها لكلّ أعمالي التي أنتقيها بعناية، ومن أسف، فإنّ بعضها خضع للقصقصة والحذف من قبل الرقابة عندنا، ولم تمتدّ يد إلى أيّة لقطة في كلّ هذه الأعمال عند عرضها على شبكة (أوربت).
في المقابل، يعتبر المنتج أديب خير أنّ صاحب المال هو صاحب القرار.. إذا فتحنا الباب أمام دخول رأس المال الخليجي أو المصري أو الصيني؛ فله الحق طبعاً في اتخاذ القرار المناسب ليجني منه الربح.. أنا لا أدعو هنا الى الابتعاد أو إلى معاداة أو محاربة هذا المال.. وإنّما المهم أن يكون لكلٍّ منّا مشروعه المدروس والمنظم، ومن ثمّ يمكن أن يستدعي المال الغريب للمشاركة، طالما سيسهم هذا المال في تحقيق المشروع، والأهم تحقيق الربح له، لكي يبادر إلى إعادة التجربة.
إلا أنّ بسام كوسا يدقّ ناقوس الخطر، مع دخول الأفكار إلى جانب رأس المال العربي، وهذا ما بدأ يحصل في بعض الأعمال السورية، إلا أنّه، في الوقت نفسه، يعتبر أنّ دخول هذه الأموال إيجابيّ، دون التدخل في نوعية وجودة وفكرة العمل.
بالتقسيط:
أمّا المشكلة الثانية، التي تقف في وجه المنتَج ـ بحسب حقي ـ فهي طريقة دفع المحطات ثمن العمل، والتي تستغرق أحياناً سنوات للحصول على المال، رغم أنّه من المفروض أن يكون الدفع مباشرة، بعد الموافقة على العرض، وشحن العمل إلى المحطة.. ويقول حقي: لم نستطع أن نخلق حالة جماعية للتوزيع، حتى لا ننافس بعضنا، وقد بحثنا في لجنة صناعة السينما إمكانية إنشاء شركة توزيع حصرية تفاوض المحطات، ولم ننجح في ذلك، لأنّ المنتج غير ملزم بالتعامل مع شركة كهذه، ومن ثمّ ستعود المنافسة بين المنتجين، لا سيّما أنّ أصحاب رؤوس الأموال القليلة لا يستطيعون الانتظار، ومن ثمّ سنعود إلى الاعتماد على الموزع، لأنّه أضمن، ويعرف مداخل ومخارج المحطات، ويسرّع عملية التحصيل، لأنّه معنيّ بتحصيل حصّته.. وقد خفّف من ثقل هذه المشكلة الاتفاق المسبق مع محطة معينة، إما على تمويل العمل وإما على شراء العرض الأول بسعر جيّد يسمح باستمرار الشركة.. والمحطات المحلية ـ في رأي أديب خير ـ هي التي يمكن أن تكون الملجأ الأول للدراما التلفزيونية السورية، ومصدر الدخل الأول، ذلك أنّ توازن المنتًج المصري مالياً كان بفضل وجود الفضائيات المصرية، واستعادة رأسماله من خلال القنوات المصرية..
هجرة نجوم.. وارتفاع أجور:
مع استمرار ظاهرة هجرة النجوم السوريين إلى مصر، ومع الجدل الذي دار حول نتائج تلك الموجة، وبغض النظر عن أسبابها التي أشبعت تحليلاً وتفنيداً..
لا بدَّ من الحديث عن الآثار التي رتَّبتها على صناعة الدراما السورية في الداخل؛ فأجور الممثلين في الدراما المصرية تعادل أضعاف أجورهم في الدراما السورية.. وممثلٌ من الصف الأول قد يتقاضى 3 ملايين عن دور البطولة في العمل السوري، بينما تقاضى الفنان جمال سليمان نحو 7 ملايين ليرة عن دوره في أحد الأعمال المصرية. وهذا خلق فجوة بين العمل في البلدين. ورغم ارتفاع أجور الممثلين السوريين، إلا أنَّ الشركات الكبيرة في سورية لا تستطيع دفع أجور النجوم في مصر؛ يقول باسل الخطيب: «أجر النجم في مصر أكثر من نصف ميزانية المسلسل، وكلّ ممثل خرج إلى مصر يعرف أنَّ المستوى المالي في سورية يختلف عن مصر.» إلا أنَّ بسام كوسا لا يجد رابطاً بين هجرة النجوم وارتفاع الأجور؛ ذلك أنَّ «الأجر مرتبط بالوضع الاقتصادي العام، فالممثل السوري كان يأخذ عشر ما يتقاضاه الآن، ومع ذلك كان يكتفي اقتصادياً، لكن اليوم الموضوع اختلف». ورغم ارتفاع الأجور في سورية، إلا أنَّ ذلك -في نظر كوسا- لا يعطي مبرراً للمنتجين أن يستاؤوا لأنهم لا يخسرون من رأس المال بل أرباحهم هي التي انخفضت. فبدل أن يربحوا 200 % قد يربحون 120 %؛ وذلك مرتبط بعقلية المنتج. فالبعض يفضلون إنتاج أعمال بخسة وتحقيق الربح من خلالها بغض النظر عن الجودة والقيمة الفنية للعمل.
ويعتبر الفنان عبد الحكيم قطيفان «المسألة تتعلق بالعرض والطلب». ويضيف:
«عندما يقدّم عرض بقيمة 200 ألف دولار خارج سورية سوف أفضّله، لاسيما أنَّ الفنان عندما يخرج إلى مصر ستتوافر له دعاية وحملة إعلانية هائلة، أي هو رابح على المستويين المعنوي والمادي، بينما نتعرّض أحياناً لبعض الشركات المحلية التي تحاسبنا على 5000 و10000 ليرة؟!»..
في المقابل يقول المنتج أديب خير: «إنَّ دخل الممثل السوري قد أصبح يتناسب اليوم مع سعر المنتج النهائي. فالمشكلة الرئيسة هي في سعر مبيع الساعة الدرامية السورية.. وعند وصول سعر ساعة الدراما السورية إلى سعر ساعة الدراما المصرية، وحين يوجد العدد الكافي من المحطات التلفزيونية السورية، سيكون سعر الممثل قد أصبح يضاهي أو يزيد على إخواننا في مصر.
وأهمّ ما في الأمر هو أن نتذكّر دائماً أنَّ الصناعة الدرامية التلفزيونية السورية ما زالت في مرحلة التأسيس من عدة جهات، على الرغم من وصولها من الناحية الفنية إلى درجة لا بأس فيها».
من ناحيته يبيّن نقيب الفنانين أسعد عيد أنَّ «الأجور عادية والإبداع ليس له ثمن»، ويضيف: «وقد قمنا -نقابة الفنانين- بتصنيف أجور الفنانين حسب فئتهم، فأصبح أجر الفنان الأول والثاني محدداً لكلّ حلقة. أما أجر النجم فيخضع لعقد؛ ذلك أننا فتحنا مجال العمل ضمن العقد في القطاع العام، الذي أصبح في كثير من الحالات مناخاً صحياً للعمل، لكن لا يمكن إنكار التأثير السلبي لارتفاع الأجور على بعض جوانب القطاع العام والخاص، مع غياب سياسة التوزيع والتسويق. ولو وجد في سورية محطات فضائية لاختلف الأمر، ولما انتظرنا سوق الخليج أو الأسواق الأخرى. فالموزع يتقاضى بين 15 و50 %، أي الموزع يقاسم الشركة أرباحها؛ لأنَّ لديه خبرة ودراية بالمحطات وإداراتها».
إلا أنَّ باسل الخطيب يتوقّع هبوط كلّ الأجور بسبب الأزمة المالية العالمية والأزمة لدى المحطات والفضائيات؛ ما جعل هذه الشركات تقتصد في المصاريف وتنتج أعمالاً ذات ميزانيات متواضعة. ويوافقه رئيس لجنة صناعة السينما عماد الرفاعي، بقوله: «أعتقد أنَّ أجور الفنانين الخيالية ستهبط السنة القادمة وستعود كما كانت، بعدما أسهمت الشركات المصرية في رفعها بهذا الشكل».
من جانبه يعتقد الفنان عباس النوري أنَّ «سوق التلفزيون العربي مرتبك، لأنه إنتاج جهات مختلفة ومتفاوتة؛ ففي مصر هناك مستوى معين من التقاليد.
ورغم ذلك، الدراما المصرية أكثر حرية ومرونة من غيرها» ويضيف النوري:
«نحن حتى الآن مرجعيتنا الروائية والأدبية مصرية، وتجليات الحركة الفكرية والثقافية السورية قليلة، وهناك شرط لقراءة الأعمال التاريخية تعاني منه كلّ الدرامات، وتأخد نفس البعد الرقابي في كلّ البلدان العربية، ولم نصل بعد إلى مستوى نكون فيه جريئين في قراءة التاريخ».
الدراما التركيّة .. ناجحة تسويقياً!!
قد يردّ البعض هنات الدراما السورية إلى دخول الدراما التركية، وقد يرى آخر أنَّ دخول الدراما التركية سببه تراجع الدراما السورية.. إلا أنَّ أديب خير مدير شركة سامة -وهي إحدى الشركات التي تشرف على دوبلاج هذه الأعمال- ينفي أيَّ علاقة بين الحالتين، ويقول: «لنكن صريحين مع أنفسنا، أين الدراما التركية في التلفزيون السوري أو تلفزيون الدنيا أو تلفزيون المشرق.. (هذه المحطات التي نسميها محطات سورية)؟!.. إنَّ الدراما التركيّة مدرجة على عدة محطات خليجية وإقليمية، وما يستفيد منه السوق السوري هو الدخل من صناعتها (الدوبلاج).. الأفضل أن ننظر إلى الدراما التركية كحافز فني، ولندرس معاً أسباب نجاحها. ومن هنا يمكن أن تكون صاحبة الفضل في تطوير الدراما السورية لتحظى بنفس نسب المشاهدة التي حققتها الدراما التركية». ويتفق بسام كوسا مع طرح «لا أحد ينافس الآخر»،
ويقول: «كلّ دراما تقدّم ما لديها، وأنا لست ضدَّ دخول الدراما التركية المدبلجة، لكني ضدّ الأعمال الرديئة التي تسيء إلى الدراما السورية والتركية في آن واحد. وفي تركيا أعمال درامية جيدة وذات قيمة، بعكس بعض الأعمال التي دخلت إلى السوق والتي استقدمتها شركة همّها الربح فقط. وإذا كانت هذه الأعمال جيدة -كما يقول القائمون عليها- لماذا لا يشارك هؤلاء في دبلجتها. وأنا أطلب من الفنانين السوريين الذين يعملون في هذه الشركات أن يشاركوا في الدبلجة أيضاً إذا كانوا لا يرون في ذلك مشكلة وغير ذلك، ليقولوا: نحن نريد الربح فقط ولا أحد يتدخل. أما إذا كانوا يتحدّثون عن الفن ودورهم في الدراما السورية، فيجب أن يعرفوا أنهم يستقدمون مادة سيئة منتهية الصلاحية.
باقة دراما:
ارتبطت أسماء بعض المخرجين السوريين في الفترة الأخيرة بشركات عابرة للقارات، حيث استطاعوا من خلالها تكوين تجربة إنتاجية جديدة.. لكن إلى أيّ درجة تساعد هذه الشبكات في توطين وتأسيس صناعة الدراما، علماً أنَّ بعض قنواتها يحتاج إلى اشتراك وقد لا تتاح لكلّ الجمهور في سورية أو خارجها.. يقول المخرج هيثم حقي عن تجربته في شركة ريل فيلمز التابعة لشبكة أوربت: «من ناحية النوعية، أتاحت لي الشركة أن أقدّم إنتاجاً نوعياً، وساعدتني على تحقيق حلمي بعمل أفلام سينمائية في سورية ومصر مختلفة عن السائد.
أما بالنسبة إلى القنوات المشفرة والتي تحتاج إلى اشتراك، فهي نظام متبع في أوروبا وأمريكا والعديد من دول العالم. فلا يوجد بيت لا يشترك بالقنوات المشفرة. والغريب أنَّ الكثيرين يشتركون في القنوات الرياضية، لكنهم يجدون صعوبة في دفع مبلغ بسيط (نحو ألف وخمسمئة ليرة سورية شهرياً) للحصول على خدمة 70 قناة من أوربت وشو تايم، فيها العديد من قنوات الأفلام والمسلسلات الحديثة العربية والأجنبية والقنوات الرياضية وقنوات الأخبار العالمية. والسبب التعود على الحصول على هذه الخدمة مجاناً. لكن الحال ليس متشابهاً في كلّ الدول العربية. ففي الخليج ومصر ولبنان هناك انتشار واسع للاشتراك في قنوات أوربت.
أنصاف مواهب:
التحدي الكبير أمام الدراما السورية ليس من الخارج بقدر ما هو من الداخل برأي باسل الخطيب، وحمايتها تكون من خلال حماية إنجازاتها وإعطاء الفرصة للناس الذين يستحقون العمل فيها. فالساحة الفنية شبه مستباحة، يعمل فيها أنصاف أميين وعديمو الموهبة. وهذا يشكّل خطراً مباشراً على مستقبلها من وجهة نظره. ويتفق الفنان بسام كوسا مع هذا الطرح، ويبيّن أنَّ دخول أناس ليس لهم علاقة بالمهنة وغير جديرين بالعمل كان نتيجة طلب اليد العاملة والحاجة إلى كوادر تملأ الثغرات في مجموعة من الاختصاصات، فجاء مخرجون بطريقة غير حقيقية وغائمة، بعضهم يعتقد أنَّ الإخراج 4 حركات للكاميرا والقطعات، بالإضافة إلى أشخاص جهلة أميين لا يتقنون آليات العمل وفن الإضاءة واللون، وذلك في جميع الاختصاصات (الإخراج، والديكور، والتمثيل، والكتابة)، لكن هناك أشخاص يجب الاعتراف بأنهم قدّموا أعمالاً لائقة وجيدة ومبشرة.
ويطالب كوسا مؤسسات الدولة بإيفاد أشخاص لدراسة اختصاصات غير موجودة في سورية، بحيث يعودوا بمرجعية علمية. ونحن بحاجة إلى فتح طريق التخصّص في الخارج بالنسبة للمكياج والإخراج وغيرها..
كنان جمعة |