أرت سيريا- خاص - 2009/12/06

بعدما دخلت قصة روميو وجولييت ذاكرتَنا كحكاية حب خالدة، كذلك الأمر مع هاملت المشتت بين حبه لأوفيليا وسعيه المتردد للانتقام لمقتل أبيه؛ يقترح عرض" تيامو" نص واخراج رغدا شعراني افتراضية جديدة تجمع هاملت بجولييت وروميو بأوفيليا في صورة معاصرة يفترض أنها تحدث للترويح عن شكسبير الذي دخل في طور من الكأبة في ايامه الأخيرة بحسب ما تفترض المسرحية السورية التي قدمت على خشبة المسرح البلدي أمس الأول ضمن الدورة 14 لايام قرطاج المسرحية.

يجمع العرض بين أشهر شخصيات شكسبير التراجيدية "هاملت وأوفيليا" و"روميو وجوليت"،يبدأ العرض بمشاهد من أجواء شكسبير التراجيدية المعروفة، إذ نشاهد هاملت المغرم بأوفيليا، يذكّره والده المقتول  بضرورة الانتقام لمقتله وخيانته. كذلك نرى روميو  وجولييت العاشقين اللذين نعرف نهايتهما التراجيدية، إنما يصممان على الحياة والنجاة من قدرهما "هذه المرة". لكنّ ثمة شئ ما يغير في مصائر الشخصيات عبر لعبة افتراضية صغيرة قامت نتيجة ملل شكسبير فيغرم هاملت  بجولييت، ويعشق روميو أوفيليا لتتحول المسرحية من تراجيديات شكسبيرية إلى كوميديا استعراضية معاصرة لا يربطها بشكسبير سوى الاستناد إلى شخصياته.
فهاملت  الشخصية التي يرتكّز عليها وعلى تحولاتها العرض، لم يعد مهتماً بالانتقام لمقتل أبيه، بل يرى أن أباه لم يمت مقتولاً بل بسبب التقدم بالسن. ولن يقتل عمَّه الذي تزوج أمه لأنه لا يريد أن يسبب لها الحزن والتعاسة. وإذا كان هاملت في نص شكسبير تائه بين أن يكون أو لا يكون، فإن هاملت "الشعراني" – ان جاز التعبير- قرر أن يكون بعيداً عن فكرة الانتقام والثأر.


 لا يقدم العرض تطوراً دراميا مختلفاً لباقي الشخصيات، فيما عدا تطورات شكلية. فنجد الممثلين بأزياء معاصرة، وقد وشموا أجسادهم برموز وصور، يغنّون ويرقصون على إيقاعات الموسيقا الغربية المعاصرة، ويلعبون البوكر، ويركبون الدراجات النارية.
هكذا تحاول المسرحية أن تقدم قراءة مختلفة لشكسبير من جهة، العمل على تغيير مصائر الشخصيات وإلغاء النهايات التراجيدية التي تفترض الموت بالضرورة بافتراض أن الحب يخلص الناس من ماساوية الحياة وينجي من الموت!!!
لم تكتف شعراني باللعب في مصائر الشخصيات التراجيدية، بل  لعبت على مفاهيم زمانهم لتضعها في قالب معاصر، بحيث تحولت مبارزة الفرسان إلى مبارزة بالمسدسات، ومسابقات في الزجل الشعبي والمناظرات الكلامية والغناء والرقص الغربي والشرقي في خطوة تستهدف بوضوح استعراض طاقات الممثلين الشباب.  
وفي مواجهة الثنائيات العاشقة، يقدم العرض  حكاية شانتال (مربية جوليت) مع الفرسان الأربعة اصدقاء هاملت، وهي حكاية ثانوية لا تمس جوهر النص القائم على تغيير مصائر الشخصيات التراجيدية، بحيث تبدو حكاية شانتال وكأنها فرصة للمزيد من التهكم والاستعراض الأدائي ولتبتعد الحكاية الافتراضية عن هدفها الذي طرحته في بداية العرض على لسان الراوي "هل يمكن للشخصيات أن تقف في وجه القدر وتغيير مصائرها بفعل الحب؟؟؟".
اللعب في مصائر الشخصيات التراجيدية الشهيرة، ترافق بالضرورة مع لعب وتنوع في أداء الممثلين الذي بدأوا في أداء تمثيلي درامي تراجيدي انتقلوا منه إلى "الفارس" وهو نوع يأخذ الكوميديا إلى أقصاها( حركة الممثل فيه تكون إلى أقصاها) إلا أن المبالغة فيه ذهبت حد التهريج والاستظراف المجاني في كثير من الأحيان.

تسعى رغدا شعراني في عرضها "تيامو" إلى تقديم صورة مختلفة وجديدة للمسرح السوري الذي ظالما عرف بكونه مسرحا فقيراً يعتمد قوة النص والأداء لاغير، عبر توظيف تقنيات الفيديو في العرض الذي استند غلى شاشتين سينمائيتين احتلت الاولى عمق المسرح والثانية زاويته اليمنى. استخدام مزدوج لخلق فضاءات أخرى للخشبة، رؤية مايُعرض علينا وفق أكثر من زاوية، وصولاً إلى حالة إغناء وإشباع لعين المتلقي، كما هو الحال في المشهد الذي يصوَّر فيه (هاملت) وهو يدور وسط الخشبة بعد ظهور شبح أبيه عليه.‏ ساهمت هذه التقنية ايضاً في ابراز تعبيرات وجوه الشخصيات وتقديم شخصية الشبح/ والد هاملت الذي غيبه الموت عن الحياة وخشبة المسرح ليحضر فقط عبر الشاشة.
يسرف العرض في الاستعراض الذي يقرّبه في لحظات كثيرة  من التهريج، كما تتشابه وتتداخل شخصياته ببعضها، ولا تتمكن الفقرات المنفردة لكل شخصية والتي تعرّف بنفسها وبخصوصيتها، من ترسيخ هذه الصفات والاختلافات فيما بينها،  فيما عدا الجانب الكوميدي المضحك فيها.
 وفي الإطار نفسه قدم العرض نوعين من الموسيقا والمؤثرات، الأول موسيقا حية ومؤثرات إيقاعية مرافقة للعرض تنبعث من آلات الإيقاع الموجودة على الخشبة إلى يسار المتفرجين، إلى جانب استخدام موسيقا مسجلة تزاوج بين الإيهام الذي تخلقه الموسيقا المسجلة وبين كسر الإيهام ولعبة التغريب الذي تقوم به الموسيقا الحية.

قد يكون اللعب هو السمة العامة لما قدمته الفنانة رغداء الشعراني في مسرحيتها «تيامو» تأليفاً وأداء وإخراجاً، مقدمة عرضاً بصرياً غنياً استند كما في عنوانه على تيمة الحب واللعب عليها بمفردات غرقت في معاصرتها فابعدت العرض عن جوهر تيمته "الحب" ليلتصق أكثر باللعب لمجرد اللعب.
 

 رشا فائق