|
أنوال ميكانيكية خاصة بسورية صنعت للاستعمال الأبدي
وفستان ملكة بريطانيا صُنع في باب شرقي
في الخمسينيات من القرن الماضي، استنفر عدد من صناع البروكار السوريين لينجزوا فستاناً بأرضية بيضاء وبنقشة عصفورين يقبّل أحدهما الآخر، وقد تشابكت فيه خيوط ذهبية من عيار 12.. جلسوا في معمل يقع آنذاك في منطقة باب شرقي مقابل النفق حالياً، وما زال قائماً إلا انه أصبح مطعماً، واستمروا في عملهم حتى أنجزوه ليسلموا الفستان إلى من سيأخذه إلى بريطانيا، حيث سترتديه الملكة اليزابيت الثانية في يوم زفافها، وكان ذلك، لتغدو تلك القصة من أبرز قصص البروكار الدمشقي، ولتغدو تلك النقشة (العاشق والمعشوق) من أشهر النقشات التي سميت فيما بعد (بنقشة الملكة).. وما زال يعرض ذلك الفستان في متحف لندني يسمى متحف «مدام توسو». ورغم ان إحدى الموسوعات تقول: ان الملكة فكتوريا هي التي ارتدت الفستان، إلا انه قد مرت نحو ستين عاماً على تلك القصة، وقد شهدت صناعة البروكار خلالها انحساراً يدل عليه تراجع عدد الأنوال المنتجة سواءً أكانت ميكانيكية ام يدوية،إذ وبعد ان وصل عددها إلى نحو 2000 ذات يوم، فبالكاد يوجد منها 40 نولاً ميكانيكياً في سورية، نصفها تقريباً في دمشق، وواحد او اثنان منها يدوي، مما اعتبر ان تهديداً يطال صناعة تميزت وانفردت بها سورية عموماً ودمشق خصوصاً منذ آلاف السنين، وتكاد تكون تلك الصناعة هي الوحيدة التي تحمل علامة فارقة وصناعة سورية بامتياز، وتنطبق عليها مقولة «صُنع في سورية» بكل جدارة، ومردّ ذلك إلى السر في تصميم الأنوال الموزعة حالياً على نحو خمسة معامل في دمشق.
ما بقي منهم
معمل عبد الكريم الأصيل واحد منها يقع في حي القابون، حيث تدخل بناءً قديماً توزعت فيه أربعة أنوال، وبالكاد تستطيع ان تسمع محدثك، ومن الصعب ان تطلب ايقاف الأنوال ولو للحظات، نظراً لطبيعتها الميكانيكية في الحركة، حيث لا تتوقف إلا عند الانتهاء من ساعات العمل.. والتناقص المستمر في عدد الأنوال أدى إلى تناقص أهل الكار عاماً بعد عام، لدرجة انه لم يبقَ سوى اثنين يجيدان الرسم على الكرتون، وهي المرحلة الأهم في صناعة البروكار.
فايز زيبق (65 عاماً)، هو أحد هذين الاثنين الذي يعمل مشرفاً في ذلك العمل، وقد أمضى نحو نصف قرن في مهنة عشقها كما يقول، ولا يستطيع إلا ان يمضي قدماً مهما تكن الظروف، وإن كان لم يستطع ان يجني الثراء، فإنه بقي في عالم لطالما أحبه، وفي الوقت الذي لم تقم فيه أية جهة حكومية بدراسة واقع الحال لصناعة البروكار وما آل إليه، وإمكانية ايجاد دور لها على خارطة الصناعة الوطنية، نظراً لامتيازها بعلامة فارقة في زمن بات من الصعب ان تخلق صناعة تحمل علامة خاصة بدولة او مدينة، فإن التعاطي معها ما زال ضمن إطار الذكرى وخطاب التمجيد مع دور هامشي لها في الترويج السياحي، رغم اهتمام السياح الغربيين بهذه الصناعة، واهتمام بعض الباحثين فيها، بدليل ان سيدة فرنسية قد قدمت أواخر العام الماضي، بهدف إعداد بحث ضمن كتاب عن صناعة البروكار، وقد مكثت في حلب لفترة ثلاثة أشهر، ثم قدمت إلى دمشق تسأل عمن سيعطيها معلومات عن سر هذه الصناعة وكيفيتها بعدما عجزت عن ذلك في حلب حتى نصحوها بالذهاب لملاقاة «الدكتور»، وهو لقب حصل عليه بشهادة أهل الكار نظراً لخبرته الطويلة في عالم البروكار، وأمضت تلك السيدة وقتاً وهي تبحث عنه حتى التقته، فسألته عن حرفة الرسم على الكرتون وخصوصية هذه الصناعة، وذهبت على ان تعود لاحقاً لاستكمال ما جاءت من أجله.
ربما هو سرها!!
البعض يذهب إلى ان صناعة البروكار قد بدأت في القرن الأول الميلادي والبعض في السادس الميلادي، إلا ان فصول الحكاية قد بدأت مع قوافل طريق الحرير التي أوصلت الحرير إلى دمشق، وقد تعرضت للكثير من الهزات وكادت ان تقضي عليها، منها الضرائب العثمانية والأزمة العالمية في الثلاثينيات زمن الانتداب الفرنسي، لكن الثابت في ذاكرة الدكتور فايز زيبق، ان الأنوال الموجودة في سورية لا يوجد مثلها في أية دولة من العالم، وهنا يكمن السر في تفرد سورية بهذه الصناعة، ولا يوجد تصنيع حديث للأنوال التي تنتج القماش الحريري الطبيعي، والموجود حالياً يعود لسنوات طوال، وقد أتى بها أحد شيوخ الكار واسمه الياس مزنر، حيث طلب من مهندس سويسري تصميم الأنوال الميكانيكية تلك وفق معطيات ومواصفات محددة، وقد أدخلها إلى سورية في عام 1876 لتبدأ صناعة البروكار ميكانيكياً بعد ان كانت يدوياً، وميزتها ان عمرها الزمني دائم، وفيما لو حدث عطل في أحدها فإن إصلاحه يتم محلياً.. وتشير إحدى الدراسات ان عدد الأنوال اليدوية قد بلغ في دمشق وحلب نحو 9 آلاف في القرن التاسع عشر، ويعمل عليها نحو 50 ألف عامل، فالنول الواحد، وإن عمل لنحو ثماني ساعات فإنه بالكاد ينتج متراً واحداً من البروكار، ويحتاج إلى عامل لإدارته، وقد يكون هذا من بين الأسباب التي دفعت بعزوف الكثيرين عن التعاطي مع هذه المهنة نظراً لضعف مردودية الإنتاج الذي لا توجد حتى الآن أرقام تدل على مقداره سنوياً ومدلولات تراجعه في ظل أسعار تخضع لمنطق السوق، وإن لم يحدد الدكتور سعراً معيناً إلا انه ووفق السوق، فإن المتر منه يتراوح سعره بين 2500 إلى 4000 ليرة سورية، وما زال عالقاً في ذاكرة الناس ان الحرير لباس الملوك والأثرياء، نظراً لاستعمال خيوط الذهب والفضة في صناعته.
حتى الدودة!!
وصناعة البروكار تتألف من ثلاثة معطيات هي، صناعة الخيوط، والرسم على الكرتون، ومن ثم صناعة القماش الحريري، واللافت كذلك ان انتاج وتصنيع الحرير الطبيعي في سورية يشهد تراجعاً كبيراً لأسباب تتعلق بضعف المردود وتدني اسعار القز، حتى ان انتاج قرية دير ماما الشهيرة بتربية دودة القز لم يتعدَ الطن الواحد من الحرير انتاجاً وتصنيعاً.. وبدعم من منظمة الامم المتحدة ( مرفق البيئة العالمي )، تم اطلاق ما يعرف بمشروع (إحياء دودة الحرير الطبيعي وصناعة الحرير» وذلك في منطقتي مصياف ( قرية دير ماما - حماة) ومنطقة الدريكيش (محافظة طرطوس)، ويهدف المشروع كما تقول وزارة الزراعة الى اعادة احياء تربية دودة الحرير وصناعة الحرير ضمن برنامج تنفيذي، يتم بموجبه منح قروض للمربين دون فوائد بهدف احياء صناعة تعود لأكثر من 4000 سنة.
ونشير هنا إلى ان انتاج خيط الحرير يمر بعدة مراحل بدءاً من مرحلة تجفيف الشرانق الى تبييض الخيوط وصباغتها، وغيرها من المراحل التي تؤدي الى انتاج خيوط وفق ثخنها ( 75 شعرة-120 شعرة...الخ)، لتذهب الى معامل البروكار وتبدأ رحلة انتاج القماش الحريري.
فن بديع
ان الرسوم المستخدمة في نسيج البروكار تراثية مأخوذة من الحياة الدمشقية او من التاريخ العربي والاسلامي والاوروبي، ومن اشهرها البندقية واللوزة والناعمة والشرقية وصلاح الدين، وروميو وجوليت، وعمر الخيام، والفراشة ، والعاشق والمعشوق.. ويعد الرسم على الكرتون هو المرحلة الاساسية في انتاج نسيج البروكار، ويعد فايز زيبق «الدكتور» من الحرفيين المهرة، وان لم يبق سوى اثنين منهم كما ذكرنا، وهو مازال محتفظاً بآلاته ويزاول مهنته رغم تدني الطلب، وعمله يتطلب دقة متناهية، حيث يقوم برسم النقشة على ورق ميليمتري لا يتجاوز عرضه 5 سم، ويتم تطبيقه على الواح كرتونية يتم تثقيبها وفق مربعات مقسمة بدقة تتوافق بدقة عالية مع الرسم المطلوب (النقشة)، ثم توضع مجموعة الالواح في اعلى النول (الجاكار) لتتحرك مع حركة السنانير، الى ان يتم اكمال صناعة القطعة، وتبدو الواح الكرتون تلك اشبه بلوحة التحكم التي توجه الرسم على الحرير وبالحرير.
مع الأسف !!
ويقر زيبق بعزوف الشباب عن تعلم هذه المهنة نظراً لضعف الانتاج والمردود في ظل الواقع الحالي لصناعة البروكار، وهو لا يأسف مطلقاً بأنه امضى نصف قرن من عمره في هذه المهنة التي يحبها ويشعر بالحسرة فيما لو انقرضت، مما يعني انقراض الصناعة ككل، وقد بلغ شغف المهنة ان يمضي قيلولته او غفوته بين الأنوال رغم الضجيج الهائل من حوله، حيث لم يكن بالإمكان ان تقف مطولاً في ذلك المعمل ونحن نسمع نحو 120 دقة حدفة في دقيقة، فهو حالم ومتفائل بأن شيئاً ما سيغيّر الواقع، ولذلك تراه يعمل دون كلل او ملل، منذ الصباح وحتى المساء.
وبعد :
هي صناعة شيئنا ام أبينا. وبالتالي، لابد من التعاطي معها كما تم ذلك مع صناعات غيرها واقل شأناً، وهذا التعاطي لابد ان ينطلق من دراسة شاملة عن الواقع والبحث عن الجدوى واتخاذ القرارات المناسبة، اما باحيائها او بتركها للذكرى .
وهذا يتطلب تكاملاً في التعاطي بين وزارات الاقتصاد والصناعة والزراعة والتعليم العالي، اذ أن الحكمة ان يتم تعليم هذه الصنعة بدءاً من تربية الحرير ومع الرسم على لكارتون وانتهاء بانتاجها، فما يمنع من تدريس ذلك في معاهد واحداث اختصاصات وتقديم تسهيلات للوصول الى انعاش صناعة قد تكون باباً للوصول الى افق آخر للصناعة الوطنية طالما الارضية موجودة والارث موجود والعلامة الفارقة موجودة ، والخبرات موجودة ، فلنلجأ اليها نسألها قبل رحيلها ام لا يطيق اصحب القرار سماع ذلك الضجيج على ارض الواقع!؟.
|