خاص - حسان طه - 0000/00/00

مقام فونية (Makamphony) عمل موسيقي من تأليفي تم تقديمه في حفل افتتاح ملتقى الموسيقى الشرقية المعاصرة الأول في 22 شباط  (فبراير)  الماضي . ومن الجدير ذكره أن الملتقى الذي حمل عنوان (مساحات شرقية ),  أقيم على مسارح دار الأسد للثقافة و الفنون وعلى امتداد خمسة أيام, يُعتبر الأول من نوعه في سوريا حيث كان الراعي الأساسي له وصاحب فكرته هو الأمانة السورية للتنمية (Trust)



 مقام فونية كمؤلَف موسيقي:
مقام فونية مؤلَف موسيقي لأوركسترا وترية مع آلتي ناي وآلات إيقاعية(شرقية-غربية). يعالج هذا العمل المقام العربي معتمداً على الجانب اللوني المزاجي  للمقام. هذا في الواقع ما اهتم فيه الموسيقيين الشرقيين والعرب القدماء , حيث أنهم كانوا يطلقون تسميات إيحائية لكل مقام مع اختلف درجات عزفه أو غنائه . حتى هذه اللحظة يسمى المقام في المغرب العربي بأسمى الطبع ( أي الطبع الإنساني واختلافاته بحسب الحالة النفسية).
ينقسم عمل مقام فونية لثلاثة حركات موسيقية ، الحركة الأولى  بطيئة يسيطر على بدايتها صولو لآلة التشيللو يحاول أن يحاكي أسلوب الريشيتاتيف لكن بشكل إيقاعي يعطي إحساس بالاعتباطية و عدم الانتظام الإيقاعي،  يقابله بطريقة معاكسة صولو لآلة كمان يعتمد على عقد ثلاثي من مقام البيات وبأسلوب غنائي بعيد  عن  الحالة الإيقاعية التي يكون عليها صولو التشيللو  . في منتصف هذه الحركة تقوم آلتي ناي بعزف عبارة موسيقية تنتهي بإيحاء بمقام (البسته نكار)،  القائم على  دخول مقام صبا على مقام السيكاه .  تنتهي هذه الحركة بلغط موسيقي وإحساس بالاعتباطية معتمدة على تقنية الهيتروبوليفونية  والتي هي شكل معقد من أشكال المونوفونية  التي تشكل جوهر النسيج الموسيقي الشرقي والعربي في معالجة المقام ،  سيتم شرحها في سياق المقالة لاحقاً.
الحركة الثانية سريعة، حيوية ذات طابع وحشي مع أنها مبنية على عبارة لحنية من مقام  (صبا) الذي يتميز بطابعه الشجي الثقيل ، لكن تم استخدام مقام الصبا هنا من خلال كسر درجة ارتكازه فهو صبا بطبقات لحنية متعددة التونيك  . بعد هذا المقطع الحيوي يأتي مد موسيقي يعتمد على الفلوجوليه الذي تعزفه كتلة الكمان الأول مع أسلوب الغليساندو الخفي الذي تعزفه كتلة الكمان الثاني مع الفيولات ،, كل هذا المد الذي يعطي إيحاء بحالة من الوجد  قائم على نبض إيقاعي خفي وضع على إيقاع عربي يسمى (الظُرفات 13\8), هذا الإيقاع  يحمل خصوصية الإيقاعات العربية التي تتميز بضغوطها الخاصة (هذا ما جعل العرب يصفونها بأسماء كما حالهم في تسميات المقامات ).
الحركة الثالثة بطيئة تحاول أن تحاكي أسلوب التقاسيم العربية و هي تدور في أجواء مقام الراست , تطرأ تحولات موسيقية في سياق هذه الحركة التي تنتهي بآلة ناي تعزف بأسلوب (flutter ) مع مرافقة اوركسترالية توحي بالتشويش والاعتباطية.

مقام فونية و تكنيك الكتابة الموسيقية:

تم الاعتماد  في الكتابة الموسيقية على تكنيك الكتابة الموسيقية المعاصرة وهي كثيرة جداً منها الميكروبوليفونية (micropoyphony ) - البوليفونية المعاصرة - بعض المؤثرات مثل ((trills -  الغليساندو(glissando) -  الفلاتر(flutter-tongue)- التشويش(interference) - ( .(tremolo بشكل عام التكنيك الأكثر استخداماً كان أسلوب الهيتيروفونية (heterophony ).... لكن ما هي الهيتيروفونية هذه ؟ ...لماذا فضلت العمل بها ؟

الهيتيروفونية كمعنى ؟

الهيتيروفونية هي شكل معقد من اشكال الكتابة الموسيقية التي تعتمد النسيج المونوفوني ((monophony أي اللحن الواحد ( فرقة موسيقية او تخت شرقي يعزف كل أفراده  نفس اللحن الموسيقي ، هذا ببساطة معنى المونوفونية (مونو= واحد، فون=صوت ). لكن الأمر الذي يحدث  في حال الهيتيروفونية (كشرح مبسط لها )  هو ذلك التأخير أو التبكير  في عزف نفس اللحن بين العازفين سواءً بطريقة عفوية كما يحدث عادة في الفرق العربية التقليدية  ( فقط علينا ان نعيد الاستماع إلى التخت الشرقي أو الفرقة التي تعزف خلف المطربة أم ا كلثوم وسنجد الكثير من الهيتيروفونية الغير مقصودة او المقصودة التي توجد كزخارف تضاف على الجملة الموسيقية والتي تكون في غاية الجمال )، او بطريقة مقصودة كما فعلت  في كثير  من المقاطع الموسيقية في مقام فونية، حيث  الآلات الموسيقية تعزف نفس اللحن لكن بأشكال إيقاعية مختلفة او أحيانا بسرعات مختلفة .
 ذلك التأخير أو التبكير بين العازفين (حيث أحيانا يترك لهم حرية الدخول أو البدء في العزف )  في عزف جملة موسيقية ما، يُحدث نوعاً من التشويش أو الخلل لكنه يحمل بداخله أبعاد جمالية خاصة جداً .
استخدامي  أسلوب الهيتيروفونية  كتكنيك كتابة موسيقية معاصرة كان حل للعمل في مؤلف يحمل خصائص الموسيقى العربية ويكون قريب من ماهيتها كنسيج موسيقي  ( المونوفونية ). ان أسلوب الكتابة بهذا التكنيك الموسيقي له صعوبات ومشاكل تقنية قد  تواجه العازفين لحظة التنفيذ الموسيقي و هذا ما حدث فعلا مع العازفين الذين قاموا بخلق مقام فونية للمرة الأولى. اضافة لصعوبات تتعلق بأني لم اقسم الوتريات بأسلوب التقسيم  الكلاسيكي أي كتلة كمان أول و كتلة كمان ثاني وانما اعتمدت على أسلوب التقسيم القائم على أساس العازف او الستاند الموسيقي هذا بدوره يجعل كل عازف ضمن الأوركسترا وكأنه عازف صولو له دوره الخاص به.

مقام فونية وإعادة ترتيب المفردات الموسيقية الموجودة أصلا :
 لابد من القول أني في مقام فونية  لم استخدم أي مادة موسيقية بعيدة عن ماهية الفكر الموسيقى العربي  . كل ما قمت به هو أسلوب معالجة مختلف من خلال إعادة ترتيب تلك المواد الموسيقية الموجود أساسا في الموسيقي العربية و هي:
- لمقام العربي  :في الحركة الأولى  تم استخدام مقام البيات من درجة (ري – فقط عقد ثلاثي منه ) - مقام السيكاه - مقام البسته نكار- مقام الهزام من درجة سي نصف بيمول – مقام الحجاز. في الحركة الثانية تم استخدام مقام الصبا من درجات صوتية مختلفة- مقام البيات من درجة ( ري ) و(لا) . في الحركة الأخيرة تم تحرير مقام الراست – مقام الهزام من درجة مي نصف بيمول ودرجة سي نصف بيمول .
-استخدام الإيقاعات العربية التقليدية (الضروب ) مثل إيقاع الظرفات القائم على ميزان13\8 - إيقاع الجورجينا 5\8 - ايقاع الدبكة الشعبية .
- وجود آلات عربية تقليدية : حيث تم استخدام آلتي ناي , طريقة الكتابة لهما هي التي كانت غربية بالنسبة للمستمع وشكلت حالة من الصدم بما كانت تحمل من أبعاد لا مقاميه مع أنهما كانتا تعزفان ضمن أجواء المقامات العربية التقليدية.  
- وجود آلات إيقاعية عربية تقليدية ( الرق- الطبلة )، لكن أسلوب الكتابة الموسيقية لها كان يحمل كل الاختلاف.لم يكن هناك أي شيء مرتجل وبالتالي كل شي  كان مكتوب و أصبح  لعازف( الرق- الطبلة )دور موسيقي موجود أمامه مثله مثل أي عازف آلة وترية أو أي آلة اوركسترالية أخرى . إضافة إلى أن  أسلوب توظيف تلك الآلات كان بعيد جداً عن فكرة ضابط الإيقاع الموجود في  الفرق العربية التقليدية الذي يعني أن الإيقاع موجود دائماً على مدار القطعة أو الأغنية (هذا طبعاً يقلل من فعالة الإيقاع في الموسيقية العربية و يوقعها في مطب المونوتونية )، وإنما تم   استخدامها في مقاطع  موسيقية معينة لأغراض لونية أو مؤثر لوني,  أو أحيانا أخرى لضرورة موسيقية تتعلق بدور له فعالية في البناء الموسيقي العام للقطعة .


خاتمة:
هل المعاصرة في الفن بشكله العام هي غاية أما أنها نتاج آليات تفكير وحركة إنسانية تتطلب طرق تعبير مختلفة؟
 المعاصرة كما أراها هي في فهم  تفرد عملك  الفني بشكله العام عن أي عمل   وجد في  العصور السابقة  مع أهمية إلقاء الضوء على حركته المستقبلية  والتنظير لها , و خلق طرق لآليات تلقيه (خلق اتجاهات جديدة في النقد الفني المعاصر)  يساهم فيها المبدع و الملتقي معاً.
قد تكون حالتنا الآن في سوريا و في العالم العربي و الشرقي تستدعي أنه على العمل الفني الذي يحمل هم وبعد إنساني جمالي عام , أن يتقدم بمراحل كبيرة(وهذا قد يجده البعض غير صحيح) على الحركة الثقافية الفكرية السائدة  (المتردية في عالمنا العربي والشرقي ) . وبالتالي ستوصف الحركة الموسيقية السورية المعاصرة (بما قُدم ضمن  مهرجان مساحات شرقية , أو بما سوف يقدم مستقبلاً ) بأنها غير مفهومة- نخبوية- مخربة .
 قد تنتهي هذه الموسيقى المعاصرة في كتب التاريخ كأرقام و تواريخ, أو ربما قد تصبح يوماً ما موسيقى تقليدية بالنسبة للأذن العربية التي ربما تتجاوز نفسها, وتبحث عن ما يلبي رغباتها في التجديد.