تتربع في أطراف مدينة دمشق مدينة ملاه تمنح السائح فرصة للترحال عبر التاريخ إلى الوراء إذ تحتوي على نماذج بالحجم الطبيعي لأماكن وفترات هامة في التاريخ العربي ـ البابلي و الإسلامي والعائد للقرون الوسطى. بيد أن معظم الزوار يتوجهون لجناح الحي السوري العائد إلى القرن التاسع عشر المزود ببوابة خشبية ضخمة وثكنة للحارس ومحلق حلاقة وحدادة. وهو المكان الذي تم فيه تصوير المشاهد الخارجية من مسلسل " باب الحارة" المحبوب الذي تابعه الملايين في مختلف أرجاء العالم العربي. ولقد كان المشهد الذي جذب أكبر قدر من الانتباه في في هذا المكان في يوم من الأيام هو تواجد وائل الشرف النجم المحبوب الذي يشبه الممثل الشهير جوني ديب ، إذ صرخت رزان عبد الله ، وهي طفلة سعودية تبلغ من العمر 10 سنوات جاءت بصحبة أمها سوزان وصديقتين في إجازة إلى سورية ، قائلة :" أمي أمي انظري هذا معتز " وقد ابتسمت برقة واحمرت وجنتاها من الخجل تحت الحجاب عندما لمحت الممثل الوسيم بالرغم من القبعة التي كان يسدلها على وجهه متعمداً.
يبلغ وائل شرف 30 عاماً ويتسم بسحر لا يليق إلا بالمشاهير وقد تو قف لالتقاط صور بطلب من أسرة أخرى سعدت بلقائه. وتحدث رجل الأعمال رابح حازم ، وهو من مدينة الموصل شمال العراق، قائلاً :" إن باب الحارة مسلسل رائع حقاً إذ يسود ما يشبه حظر التجول عندما تذاع حلقاته " . ويقول التاجر اليمني عبد الحليم علي عبد الله إنه تابع المسلسل من مدينة تعز التي ينحدر منها. ولا يستطيع المواطنون العرب الإسرائيليون زيارة سورية ـ فهي بلد عدو ـ لكنهم يشكلون جمهوراً عريضاً لهذا المسلسل الذي تابعه بلهفة الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً وكذلك الأمر بالنسبة للعرب من المغرب إلى الكويت إذ يقول حازم مبتسماً : " لقد تابعته الأمة العربية بأكملها" .
لقد شكل مسلسل باب الحارة ظاهرة استثنائية منذ اللحظة الأولى لبثه على محطة MBC ذات الملكية السعودية عام 2006 . وسيقوم منتجه بسام المللا قريباً ببدء تصوير الجزء الرابع منه في فترة زمنية محدودة ليكون جاهزاً للعرض في رمضان، شهر صيام المسلمين الذي تخلق لياليه الحارة الطويلة منافسة حادة بين المسلسلات العربية وهي تشبه فترة البرامج التلفزيونية البريطانية في أعياد الميلاد ورأس السنة لكنها تستمر 30 يوماً عوضاً عن 10 أيام كما هو الحال في بريطانيا حيث يتسمر الناس أمام الشاشات لمتابعة مسلسل " أيست إندرز" و " كورونيشن ستريت" .
وتجري أحداث المسلسل في الثلاثينيات عندما كانت سورية خاضعة لسلطة فرنسا ويحمل طابعاً ميلودرامياً وجرعات ثقيلة من الرومانسية والعنف وإعادة صياغة للعادات المعاصرة والملابس والمأكولات والثقافة بطريقة مثيرة واحتفائية في الوقت ذاته. أما المشاهد الداخلية فتم تصويرها بالقرب من الجامع الأموي في بيوت قديمة تعود إلى القرن الثامن عشر تم الحفاظ عليها بحب ورعاية وتحتوي هذه المنازل على باحات داخلية وموزاييك وأشجار ليمون وحمام . ويزاول معتز مهنة الطب العربي التقليدي والمداواة بالأعشاب عندما لا يكون مشغولاً باستخدام قبضته أو عصاه الخشبية الشهيرة لتنفيذ أوامر أبو شهاب زعيم الحارة القوي. ويتحدث وائل شرف بأسى عن الطائفية التي أعقبت حرب العراق إذ يقول : " إنه رد فعل على العصر الحديث وعلى المحطات الفضائية والانترنت فهو حنين إلى الماضي والتقاليد التي تضيع، ففي سورية لا نسأل الناس عما إذا كانوا مسلمين أم مسيحيين أو سنة أم شيعة ، وفي باب الحارة لا تسأل جارك عن هويته وإنما عن حاله وكيف يمكن لك أن تساعده. "
ولا تغيب السياسة عن المسلسل فهناك حرس فرنسيون وجواسيس وتهريب أسلحة إلى فلسطين للمساعدة في محاربة البريطانيين واليهود ـ وهذا تذكير بأن الصراع المحتدم في الجوار له جذور عميقة . ويقال إن الرئيس بشار الأسد من المتابعين للمسلسل. وقد أدى باب الحارة إلى ظهور نشاطات تجارية جانبية مربحة مثل الأزياء والأقنعة التي يرتديها الأطفال في حفلات أعياد ميلادهم وعصا معتز التي يحبها الصبية الصغار. ويقول شرف إن كثيرا ًمن الناس أخبروه أن أبنائهم يريدون أن يحملوا اسم معتز ويتذمرون لأن آباءهم لم يمنحوهم هذا الاسم . كما صار باب الحارة اسماً رائجاً للمطاعم في سورية وخارجها حتى أن هناك مطعماً بهذا الاسم في مدينة نوتينغهام البريطانية وهناك موقع باسم المسلسل على شبكة " فيس بوك " كما صدرت لعبة فيدي و ثلاثية الأبعاد حوله.
ويشعر السوريون بفخر كبير بنجاح المسلسل الذي يثبت أنهم ينافسون الهيمنة المصرية الطويلة على صناعة الأفلام ، وقد اصطحبت زوجة الرئيس السوري السيدة أسماء نجوم المسلسل معها إلى مؤتمر عن المرأة في استنبول مؤخراً . ويلاحق المعجبون وائل شرف أينما ما ذهب في سورية وحتى في الخارج وفي مطار هيثرو.
وهناك منتقدون للمسلسل كما له معجبون إذ يرى البعض إن الجزء الثالث كان مخيباً للآمال ويقول مازن وهو مسؤول في الحكومة :" لم يعد مسلسلي المفضل ، فقد أحببت الجزء الأول والثاني أما الجزء الأخير فلم يحمل قصة تذكر " . وتحتج بعض الناشطات في قضايا المرأة والحركة النسوية على معاملة النساء وإظهارهن بصورة ربات بيوت خانعات في مجتمع مغرق في الأبوية. لكن هناك تلهف كبير بانتظار الجزء الرابع وقد بدأ المدمنون على المسلسل بإطلاق التكهنات فيما إذا كان والد معتز أبو عصام، المفقود الذي احتسب ميتاً، سيعود إلى الحياة في الجزء الرابع . وقد تزوج معتز من حبيبته خيرية في الجزء الماضي وهناك احتمال بأنهم سينجبون أطفالاً في الجزء الرابع ، ويقول وائل شرف : " في باب الحارة أشرار وجواسيس ولصوص وأشخاص جشعون وهناك دائماً صراع بين الخير والشر إذا لا يمكن أن نرى الخير إذا ما لم يكن هناك شر." )
* مقال نشرته صحيفة الغارديان (16/3/2009) على موقعها الالكتروني بقلم إيان بلاك :
http://www.guardian.co.uk/world/2009/mar/16/bab-al-hara-arab-soap-opera
* عن (كلنا شركاء) |