يعتبر الفنان التشكيلي احمد معلا أحد أهم الفنانين على الساحة التشكيلية السورية،
فهو من الفنانين القلائل التي ينتظر الناس معارضها والتي طالما شكلت حالة وطقسا تشكيليا اكثر منها معرضا فنيا.. كما خلقت أعماله حوارا وجدلا لدى المتلقين لاينقطع الا بحلول معرض اخر..
يذكر أن الفنان أحمد معلا مواليد سورية 1958 مصور ومصمم غرافيكي خريج كلية الفنون الجميلة دمشق قسم الاتصالات البصرية 1981 خريج المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية في باريس 1987.
أكمل دراساته عام 1989 ونال الدكتوراه.. عمل في مجلة أسامة دمشق ورسم مجموعة قصص للتلفزيون العربي السوري وعمل رساماً في مجلة الصفر في باريس وفي مجلة الأزمنة الشهر الأدبية ويعمل في حقل الإخراج الصحفي وتصميم الأغلفة..أقام معارض فردية عديدة في دول عربية وأجنبية. وحاز على العديد من الجوائز .
بمناسبة معرضه الأحدث الذي أقيم في غاليري ارت هاوس في دمشق تحت عنوان ( 4× 4 = 52 ) التقيناه وكان هذا الحوار حول تجربته والوانه وتمرده ..
بداية، يلفت النظر الاسم الذي اخترته لمعرضك ( 4× 4 = 52 ) ؟
كان لابد من وضع عنوان للمعرض، وكانت فرصة لمغازلة الآخرين من خلال إطلاق عنوان يشدهم ويجذب انتباههم، وخاصة أننا نأمل ان يكبر عدد الجمهور التشكيلي، فاخترت عنوانا يمكن اعتباره للوهلة الأولى محاولة استقراء رياضي لشيء فني لايمكن ان يظبط، بمعنى ان 4× 4 لا يساوي 16 في الفن ولكن ميكانيكيا يمكن ان يكون 52.. وبناء عليه تم بناء بعض الامور في المعرض، فاللوحة الأساسية فيه ( سداسية المعري ) 4× 4 ومعها 52 عملا، مبرر ثاني ان 4 نيسان / ابريل هو تاريخ ميلادي واليوم عندي 51 سنة أضفت إليها 9 اشهر هي فترة الحمل فاصبح عمري 52 سنة .. وتثقيب الأرقام بهذه الطريقة ـ كما جاء في بطاقة الدعوة ـ تتيح مشاهدة اللوحة من خلال الرقم! إضافة لأن هذا الشكل الجديد من الطرح يخلق مشهدية إعلامية جديدة تثير مزيداً من الأسئلة، حتى أنه يمكنك أن تشاهد معرضي من خلال الرياضيات. أيضا يمكن القول اننا نحبو على أربعة.. فأربعة .. فأربعة حتى 52 وما نزال نحبو في الفن ..وقس على ذلك من إمكانات لقراءة هذا العنوان.
في كل من معارضك تدخل المشاهد في حالة وطقس مختلف.. ماهو الطقس الجديد في هذا المعرض ؟
منذ غزو العراق واحتلالها .. مرورا بأحداث لبنان 2006 ووصولا الى احدث غزة الأخيرة.. فضلا عن التغير الذي حدث على المستوى العالمي من خلال تغير إدارة أقوى قوة في العالم ، كل هذا شكل نوع من السواد .. وقد يكون طقس اليوم من خلال هذا المعرض فرح بالخلاص المؤقت من كارثة حقيقية، وبصراحة كان هناك خوف من ان يقود العالم مجنون ارتكب الكثير من الحماقات.. هذا المعرض محاولة لمشاهدة أين وصلت تجربة احمد معلا وماذا يعمل .. وقد انتهزت المناسبة كي استخدم ألوانا لم استخدمها سابقا في أعمالي ولم تستخدم حتى في الوسط التشكيلي، وهذا النوع من الشغل هو محاولة لدفع التجربة التشكيلية المحلية بعيدا عن ألوان صارت تاريخية تقريبا، ووسمت المحترف المحلي بسماتها.
اشترت ان المعرض لايعبر عن تجربتك الأخيرة تماما ؟
هذا صحيح، المعرض لايعبر بشكل كامل عن تجربتي خلال العاميين الماضيين والتي ذهبت فيها بعيدا. وهي مكونة من ثلاث نماذج:
الأولى فيها التشخيص الذي اعتدت ان اعمله، والثاني هو الخط العربي حيث اشتغلت على النصوص الشعرية، والجزء الثالث هو عملية الدمج بين لوحتي المعروفة بالأشخاص مع الخط العربي وقد أسميت هذه التجربة بـ شرق احمد معلا " وقد عرضت التجربة في معرض بالكويت، وأيضا في دبي وابو ظبي وجنيف.. أتمنى ان أستطيع في مرحلة قريبة عرضها في صالة عرض وطنية.
في المعرض السابق كانت لوحة المتنبي هي اللوحة الأساسية والان سداسية المعري .. ما المقولة التي تريد إيصالها ؟
بصراحة هي دعوة للتفكير اكثر منها حديث عن شخص بعينه سواء كان المعري او التمنبي فأنا أتحدث عن حالة وليس عن الأشخاص، لا يهمني المعري كشخص، لكن ما أريد قوله، أنه من المعري إلى اليوم لم يتغير شيء، فنحن نعيش نفس حالة البؤس والكارثة والتخلف، ولا تزال نفس الأسئلة والأجوبة والبديهيات، وهذا كله جزء من أزمة الحياة... وبالتالي هي دعوة للتساؤل أين نحن بالذات .. ماذا سنعمل .. الى أين سنصل؟. ومن جانب اخر هي احتفاء بالإبداع والعظمة، اليوم المتنبي المعري وغدا هناك ثلاثية أخرى لـ محمود درويش.. وربما تأتي أسماء جديدة، فهي دعوة أيضا لإعادة قراءة هؤلاء الشعراء مجددا من اجل اكتشاف المزيد من علاقتنا مع حياتنا. عندما يقول محمود درويش مثلا : " من انا لأقول لكم" .. كأنه وبعد كل التاريخ الطويل من النضال الطويل ليس شيئا .. واذا كان درويش ليس شيئا فما بالك بالذي هو حقيقة ليس شيئا ..

اذا حاولنا تقسيم تجربتك الفنية الى مراحل ؟
في البدايات كنت اشتغل لاضافة كم معرفي جديد الى الفن.. ومحاولة إيصال المعرض الى الناس، تجلى هذا في معرض تجارب لونية 1993 و 94.. حيث كانت ضربات الريشة والسكين تشغل فضاء اللوحة ولحمها وبشرتها بكم هائل من اللطشات والضربات الإيقاعات، الآثار الخطوات.
جاء بعدها معرض ( ميرو .. بثلاث ابعاد ) كانت الرغبة هنا إدخال الناس الى اللوحة والى عالم الفن .. كانت تجربة جديدة من نوعها، ليس في بلدنا فقط، وهي معايشة المشاهدين لفن (ميرو) وليس مجرد مشاهدته!... حيث كان المشاهد جزء من اللوحة.. عاش في جوفها، وتجول بين عناصرها ضمن الحجم المخصص للمعرض، ولم يكن مجرد زائر، حاولت في هذه التجربة أن أتمثل ضمير تلوينة فنية تسعى إلى المزيد من الحرية والتطور، قد أكون أخفقت في أشياء، ولكنني سأظل حريصاً على التخلص من النموذج المحضّر مسبقاً.
في مرحلة متقدمة، في معرض تحية الى سعد الله ونوس اكتشفت أننا نفتقد الى طقوس، فنحن خارج الطقوس الدينية او السياسية لا يوجد لدينا طقوس، فحاولت صياغة طقس اخر مختلف عندما كان على المشاهد ان يفتح باب الصالة بيده ويدخل الى صالة مظلمة ليكتشف انه من يٌرى وليس من يرى، وبعد ان تتعود عينه على الظلام يكتشف انه في عالم اسود ولكنه عالم درامي يعيد إليه مجموعة أفكار لها علاقة بالقضايا المطروحة. في معرض تحية الى انطون مقدسي عام 2007 عرضت تجربة مختلفة اشتغلت خلالها اكثر على لوحتي، فكان احتفاء بلوحتي نفسها.
في تجربتي الجديدة التفت الى النص الشعري، ولكن لم يكن هو الهدف بحد ذاته فالهدف النوعي كان التجربة البصرية ـ التصويرية بمجال الخط العربي، وهو ما اسماه البعض بـ حروفية في التشكيل العربي، وانا لي موقف منه لانه بقي في جزء كبير منه أسيرا للمعنى دون ان ينتقل الى البعد التصويري او التشكيلي العميق للخط العربي. وهذا ما دعاني للتفكير بأنني قادر أيضا على ان اخلق مشاركة في هذه الأعمال . .وقد أنجزت عدد من اللوحات المهمة في هذا الاتجاه اتمنى ان تكون قد وصلت الى المتلقي بالشكل الذي أريده فعل. بشكل عام تعمدت ان اترك بين تجربة وأخرى مسافة طويلة من اجل التحضير لتحقيق شيء مختلف دائما .. برأسي مشاريع كثيرة تتطلب كما من النقود ولم استطع تحقيقها حتى الان، وأتمنى ان أحققها مع الوقت، هناك بعض الإشارات الى مساعدات قد تقود الى إنجاز أحد هذه التجارب مثل مرقد الشعر العربي والذي يكاد ان يكون متحف معرض مؤقت . وإذا استطعت تحقيق هذا أكون قد ضمنت مكانا يستطيع الناس ان يدخلوا إليه ليهدروا لحظات من حياتهم بقيمة معينة.
واين تضع تجربة بقايا احتراقات إنسان ؟
هذه التجربة تمت في مقهى البرازيل في فندق الشام بمساعدة عمال المقهى، فقد جربت العمل ببقايا القهوة والنسكافيه واشتغلت مجموعة من الأعمال ولما كانت محروقة الأطراف فقد زعمت انها كانت مخزنة عند الرسام واحترقت والذي استطعنا إنقاذه هي مجموعة الأعمال التي تم توزيعها على الأصدقاء في المقهى .. وفي مرحلة لاحقة عرض علي أحد الأصدقاء بيع هذه الأعمال ..وفعلا، وبفضله، استطعت بيعها وإيفاء بعض الديون التي كانت مترتبة علي في حينها.. واريد ان اقول أنني أدين بتجربتي الحالية وقدرتي على الرسم بهذا الحجم واقتناء هذه المواد الثمينة التي ارسم فيها هو بفضل أولئك الذين اقتنوا أعمالي من اصغر الى اكبر عمل، هؤلاء الذين دعموا التجربة و منحوني الأجنحة التي املكها اليوم .. واعطوني الفرصة ان يكون عندي مرسم اشتغل فيه.
تلجأ دائما الى تصوير الحشود الإنسانية في اعمالك ؟
هذا صحيح .. ولكن الامر ليس مجرد لجوء بقدر ماكان موضوعا رئيسيا، في اللوحة أصلا حشد من اللحظات ومن ضربات الريشة، فاللوحة هي تكريس للحظة بالنسبة لي، وانا اؤمن ان النجاة ليست فردية ابدا وإنما هي جماعية، فأما ان نكون مع الجميع او لا، فلا يمكن لملك أن يعيش بلا مملكة ولا يمكن لمملكة أن تعيش بلا ملك، فالخلاص يكون للبشرية جمعاء وليس حالة فردية. .. بمعنى أن الشخوص في لوحاتي تجسد حالة ذاتي الداخلية المرتبطة مع بعضها بالشخوص الموجودة حولي. وما يهمني في هذه الشخوص ليس حالة الفرد وانما تأثير فعله على الجماعة، لذلك نرى هذه الجماعة أحيانا في تيه او مأخوذة بهوس الى جنونها، أحيانا أخرى نراها هاربة أو متورطة او متواطئة.... هذا جزء من هذا الشكل العام الذي يحيط بنا وانا عندما اشتغل عليه اشعر بأنه يمنحني طاقة أقوى لإصدار إيقاعاتي ويعطيني في لحظة من اللحظات هذا العنفوان الذي يساعدني اكثر فاكثر على تكريس المنهج الداخلي التشكيلي .. بمعنى لو كنت اشتغل بورتريه لشخص واحد وكان مطلوب مني ان أعالج هذا البورتريه بنفس الإيقاعات فأنا على ثقة بان الناتج قد يكون مسخا او وحشا، وبالتالي ليس هو ما أريده في هذه اللحظة، ولهذا الجأ الى شكل مختلف من الإيقاع وتشخيص هذه الحشود الإنسانية فحياة العمل تكون من خلال وجود هذه الكثرة من الشخصيات والنماذج.
هل ترسم كروكيات للعمل قبل البدء او هل يكون الموضوع جاهز بذهنك ؟
لا احضر أي دراسات او كروكيات للعمل قبل البدء فيه سواء كان عملا كبيرا او صغيرا، ما يعنيني هذه المباشرة بالعلاقة مع اللوحة .. وهذا الاكتشاف الذي يحدث أثناء الرحلة الى الأمام والى الوراء .. وانا أناقش كيف يكون هذا اللون وهذه الكتلة وهذا الفراغ .. هذا الديالوغ هو الذي يعطي للأشياء هذا السحر التي لا يجعلني أتوقف فأنا أكاد لا اخرج من مرسمي، وقد أخذتني هذه العملية وأصبحت جزء منها .. واجدني مضطرا في لحظة معينة للقول هذه هي لوحتي..
هل يمكن ان تكسر اللوحة او تعيد رسمها مرارا أو ترسم فوقها ؟
بالتأكيد هذا وارد جدا، وأحيانا أخرى اشتغل على عدة لوحات في ان معا، .. لان هذا الكم الهائل من الادريالين سيجعل مساحة اللوحة غير كافية.. بمعنى لو مديت مساحة لونية فمن المفترض ان انتظر حتى يجف اللون لوضع لون اخر.. وهنا انا غير مستعد للانتظار، ولو انتظرت لذهبت هذه الحالة الداخلية ، لذلك اتركها وابدأ لوحة أخرى ومن ثم أعود للأولى .. فالمهم ان ابقى بنفس الإيقاع، لان طبيعة الإيقاع هي التي تقود، فأنا مثلا ارفض سماع الموسيقى أثناء العمل .. لأنني أريد من إيقاعي الداخلي ان يقودني وليس الإيقاع الموسيقى . لهذا تراني متورطا احيانا عندما اترك لوحة لسبب او لاخر حيث يستحيل ان أكلمها بالشكل الذي بدأت فيه، وغالبا ما احاول اللف على الموضوع بنوع من الشطارة والملعنة ومحاولة إعادة التذكر .. وتجد الصراع أحيانا يقود الى مراحل نوعية قد يضيع الأصل خلالها .
على هذا الأساس كم استغرقت معك لوحة ( سداسية المعري ) ؟
سأخبرك الحقيقة ..قبل هذه اللوحة كنت قد أنجزت أكثر من عمل كبير( 2 × 2 او 4 × 2 ) وقد وجدت حلا مقبولا بطريقة مقاربتي لمثل هذا الحجم من الأعمال، واصبح مطلوبا من الشباب الذين يعملون معي ان يشدوني انا والسيبة الى الأمام والى الخلف.. واصبح مطلوبا منهم ان يحفظوا أسماء الألوان. المبهج بالموضوع انني سوف اهجم على عمل بهذا الحجم دون تحضير وليكن مايكن ..
وفي لوحة المعري نلاحظ ايضا ان هناك اتكاءات .. العمل مؤلف من ست قطع وكل قطعة مؤلفة من ثمانية اسطر.. وبالتالي تصبح اللوحة مثل ابيات الشعر تتراكم فوق بعضها البعض. ولكن في لوحة المتنبي كان الامر منفلت من هذا الاتكاء الا انه كان هناك رابطة هندسية بين أجزاء العمل، وفي لوحة محمود درويش مقاربة ما تزال اكثر قربا تشكيليا من لوحة المعري.
متى تقول ان اللوحة انتهت ؟
لكل لوحها شروطها الخاصة.. و الفنان يمكن ان يحدد متى يتوقف نتيجة علاقته الطويلة مع اللوحة .. ففي لحظة من اللحظات تشعر ان اللوحة كونت كامل المطلوب منها ، ولكن هذا لايعني أنني لا اخفق وبالتأكيد هنالك لوحة مكتملة اكثر من لوحة وهناك لوحة جميلة اكثر من لوحة وأخرى اكثر توازنا من لوحة ..
ولكن دعنا نوضح أمرا، فاللوحة لا تنتهي.. وإنما ما ينتهي هو هذا الاقتطاع او هذه المرحلة بمعنى ان الشرط الذي وضعته لنفسي من اجل إيجاد لوحة قد تم.. وقد يحدث ان أتي في اليوم التالي وبرأسي أفكار جديدة أحاول تطبيقها على اللوحة الموجودة .. وقد يقودني هذا الى لوحة جديدة او قد افقدها وأعيد شدها من جديد.... بمعنى أي لوحة هي اقتطاع من نهر من اللوحات، ولهذا أقول ان الاهم في تجربتي هو حريتي انا اكثر من الأشياء او المواد او المواضيع الموجودة في لوحاتي ، هذه الحرية هي التي تعطي التجربة هذا التنوع والغنى.
هل اختلف مفهومك للتكوين خلال تجربتك .. ؟
بالتأكيد اختلف. لأنك مجرد ان تشاهد لوحة مربعة ومن ثم أخرى مستطيلة وغيرها بانورامية أو ثلاثية فهذا يعني انك مجبر على البحث عن تكوين مختلف دائما. أحيانا قد لا يكون الحيز الذي اختير لاقامة اللوحة صحيح بالضرورة، وربما يقود الى تكوين اخر، وبتصوري ان مشكلة التكوين باللوحة لها علاقة فينا، فقد يكون وسط اللوحة هو الذي يبتلع المشاهد بدلا ان يكون هو الأساس لعنصر رئيس وهذا بحد ذاته صياغة، الامتداد الأفقي .. وتراكم الافقيات فوق بعض.. تراكم العموديات الى جانب بعضها البعض .. شغل الأفقيات بعموديات كثيرة ..هذا كله يشكل جزء من هذه الرغبة بالبحث عن تكوين جديد مختلف وقد يقود أحيانا الى الخروج من المستطيل الذي يشكل نهاية اللوحة كما حصل في معرض ( ميرو بثلاث أبعاد )، أو في ( تحية الى ونوس) او كما حدث في تجارب قاربت النحت من اجل الخلاص من مفهوم للتكوين كاد ان يصبح مملا. وحتى الأعمال الذي أنجزتها على الكتابة او على النص كانت بهدف إنتاج تكوين مختلف وجديد ساعد النص على إنشائه، خاصة ان النص يحمل بطبيعته نبرة شاعرية ..
يلاحظ انعكاس واضح للغرافيك على لوحتك ؟
هذا عائد كوني مصمم وغرافيك واشتغل على البرامج الجديدة، واكثر من تعليق سمعته ان كانت بعض الاعمال مشغولة على برنامج الفوتو شوب او انها أعمال حقيقية بالألوان، وهي الملاحظة استوقفت الكثيرين، وبالنسبة لي هي محاولة خلق تعبيرات تقنية جديدة في عملي من خلال الاستفادة من كل المكونات المرجعية للبصر الحديث او طريقة الأبصار او طريقة التعامل مع اللون من اجل ان تكوين شكل مختلف جديد يعبر في النهاية المدى الذي وصلنا اليه في الفن التشكيلي .
يلاحظ وجود سماكات لونية كبيرة في أعمالك تكاد تقترب من النحت ؟
بالنسبة لي لم تكن نحتا او روليه .. هي تعبير لوني، خاصة انها معجونة باللون، فهي ليست فعل نحتي ملون وإنما ألوان شكلت بهذا الحجم ..تحريك اللون بهذا المزاج ينتج علاقة بين الشخصيات الموجودة بشكل مختلف .. قد يأخذ أحيانا طابعا فرحا او ساخرا أو تهكميا ..وهذا لا انفيه فهو يشكل جزء من عملي ومن لوحتي ولذلك تراه أحيانا اكثر قسوة او اكثر ميوعة .. وأحيانا اخرى طفولي الى درجة كبيرة، وبتصوري ان مسألة اللعب هذه تشكل جزء رهيبا من التجربة ولا يمكن ان تكمل بدونه، وهذا يقود مع الوقت الى ان توظف هذه المواد في اللحظات الحرجة بالشكل الإيجابي.
هل اللون يفرض نفسه حسب حالتك النفسية او ان الموضوع هو الذي يفرض اللون ؟
أحيانا تفرض الحالة النفسية اللون .. أحيانا لا .. وأحيانا أخرى يفرض اللون موقف انتقامي، بمعنى قد يكون هناك حدث فظيع بالنسبة لي ويفترض ان استخدم ألوان تتناسب معه، ولكني رغم هذا ارسمه بلون معاكس تماما.. مثلا عندما حاولت رسم مجزرة قانا. لم استطع رسم أي طفل مقتول ولا دم ولا طلقات وإنما رسمت أراوح أمهات هؤلاء الأطفال في صباح فجر بلون اخضر شفيع.. وهكذا قد تشعر أحيانا انك تستطيع ان ترسم بلون مضيء وجديد لتبرز فيه لحظة فرح او لحظة الم او لحظة حزن .. كان ترسم مقتل الحسين .. الشائع ان نستخدم هنا اللون الاسود او العفني، ولكن في لحظة مختلفة تتساءل لماذا لا ارسمه بلون فوشيا او اصفر ليموني وارى ماهو الناتج .. قد يكون الناتج مختلف مع المزاج الشعبي وعلاقته مع الحدث. فلماذا لا اجرب وأرى كيف يشاهده الآخرون وكيف يتعاملون معه .. في مختبري يمكن ان العب هذه اللعبة. واذكر هنا الاكتشاف المدهش الذي حصل عند إعادة ترميم سقف كنيسة رسمها مايكل انجلو حيث وضح انه لم يستخدم ابدا الالوان القاتمة التي نراها اليوم وانما رسم باحمر فاقع واصفر فاقع وازرق فاقع وابيض ناصع لان السقف بعيد ويجب ان يرى ولكن غبار الأيام ولهاث المؤمنين وأنفاسهم جعلوا اللون يبدو قاتما مع الوقت.. وبالتالي لابد من إعادة النظر في الكثير من المقولات وإعادة قراءة الأشياء من جديد . وهذا يشكل جزءا أساسيا من مختبري. وفي أحيان أخرى واجهت إشكالية جمالية جعلتني اعيد النظر في مسألة حساسة وهي ان الجمال لا يتم نتيجة حكم مسبق، وهذا قادني الى الامتناع عن وضع ألوان بعينها لأنني لو أدخلتهم في العمل لن يكونوا جزء من الجمال الذي انا مقتنع فيه حتى الان على الأقل، وقد عانيت فعلا وانا استخدم هذه الألوان وحاولت ان أهربهم الى اللوحة بطريقة معينة أحيانا بشكل ضبابي أحيانا أخرى أضع شفافيات فوقهم .. ولكني في لحظات معينة اكتشفت انهم لابد ان يكونوا موجودين.. ونحن من يجب ان يتعود على الجمال الجديد ..ونحن الذين نمتلك القدرة من خلال فعل فني . فهذا فعل وان كان مغامرا او تجريديا ولكن له مدلول جيد فأنا لست صاحب قرارات تتعلق بمجموعة من العوائل ويمكن لهذا القرار ان يخلق بعض المشاكل لهم وإنما كل ما هنالك قد يخلق مشكلة داخل اللوحة وهذا يقود مع الوقت الى حوار مع العمل ولابد ان يصب في مصلحة تطورنا الجمالي .. وهذا الذي قادني في العديد من اللحظات لان أتخلص من احمد معلا المحترف او الماهر لمصلحة احمد معلا الإنسان وهو في هذه الحالة سيكون فنانا اكثر من ان يكون فقط ماهر.
ماهي المواد والتقنيات التي تستعملها او التي ترتاح للعمل معها ؟
يمكن القول اني طورت أدواتي بنفسي.. قطعة من الخشب والمعدن، ليست بالضرورة الأدوات المتوفرة بالسوق.. أي صنعت أدوات خاصة ساعدتني جدا على الاقتراب من عملي وتحقيقه بإيقاع معين، أحيانا أريد ألوانا تجف بسرعة وبالتالي علي ان اسرع بطريقة مد اللون او بطريقة وضعه او بإنجاز التأثيرات من خلال هذه الادوات.
في معرض تحية الى ونوس استخدمت الأبيض والأسود وكذلك في لوحة محمود درويش .. هل ترى في الأسود والأبيض إمكانيات تعبيرية مختلفة ؟
لا .. أبدا، كان معرض تحية الى ونوس بالألوان الرمادية وهي رماديات ملونة وليست بالأبيض والأسود فقط ..أحيانا تختار لعملك لون معين تعبر من خلاله .. سواء كان الأبيض والأسود أو غيرها من الألوان .. فالطاقة الموجودة في الألوان بشكل عام تمنحك الفرصة للتعبير من خلال أساليب التعامل معها .. التقدم العلمي في مجال الكيمياء اليوم انتج كما من الوسائط ساعدت على استخدام الألوان بطرق لم تكن متوفرة سابقا، وهذا أوظفه جيدا من خلال متابعتي لما يحدث في عالم الألوان ومعرفة ما يستجد في هذا المجال.
يرى البعض ان تجربتك الجديدة تجنح اكثر فاكثر نحو الصوفية ؟
قد يكون هذا الأمر صحيحا وقد لا يكون لان ذلك مرتبط بالآلية التي تقرأ من خلالها العمل.. فكما أشرت في سؤالك، البعض يرى في المجموعة الجديدة توجه صوفي بحت اما لان اللون فعلا صوفي او لأنهم يشعرون ان وحدة الكون موجودة فيها او لشعورهم بوجود نوع من الدوران المستمر الذي لا ينقطع في اللوحات، وكأنك تتكئ على تعبيرات صوفية بالأصل موجودة.. في لوحات أخرى قد لا يوجد هذا، ولكن بطبيعتنا، نتيجة الحكم المسبق، نحاول ان نمنهج الأعمال، وخاصة النقاد، فهم يريدون طريقة للتصنيف ووضع معايير لهذا التصنيف وربطها بمقولات تنتج لهم على الأقل السلم الذي يستطيعون على أساسه تقسيم هذه التجربة الى مدرسة ما .. وهذا يسمح لهم مع الوقت من تقييم تجربة فنان او تقييم تجربة فنية معينة ومنحها النقط التي تستحقها حسب تقديرهم .. الا ان ما يبدو لنا صوفيا للوهلة الأولى قد لا يكون صوفيا على الإطلاق بعد قليل هذا ما يشكل برأيي جزء من قيمة العمل الفني.
|